الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
73
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الإسلام كانوا في نفس الأمر محاولين إبطال مراد اللّه تعالى ، فكان حالهم ، في نفس الأمر ، كحال من يحاول من غيره فعلا وهو يأبى أن يفعله . والاستثناء مفرّغ وإن لم يسبقه نفي لأنه أجري فعل يأبى مجرى نفي الإرادة ، كأنّه قال : ولا يريد اللّه إلّا أن يتمّ نوره ، ذلك أنّ فعل ( أبى ) ونحوه فيه جانب نفي لأنّ إباية شيء جحد له ، فقوي جانب النفي هنا لوقوعه في مقابلة قوله : يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ . فكان إباء ما يريدونه في معنى نفي إرادة اللّه ما أرادوه . وبذلك يظهر الفرق بين هذه الآية وبين أن يقول قائل « كرهت إلّا أخاك » . وجيء بهذا التركيب هنا لشدّة مماحكة أهل الكتاب وتصلّبهم في دينهم ، ولم يجأ به في سورة الصف [ 8 ] إذ قال : يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ لأنّ المنافقين كانوا يكيدون للمسلمين خفية وفي لين وتملّق . وذكر صاحب « الكشاف » عند قوله تعالى : فشربوا منه إلا قليل منهم في قراءة الأعمش وأبي برفع قليل في سورة البقرة [ 249 ] : أن ارتفاع المستثنى على البدلية من ضمير فَشَرِبُوا على اعتبار تضمين شربوا معنى ، فلم يطعموه إلّا قليل ، ميلا مع معنى الكلام . والإتمام مؤذن بالزيادة والانتشار ولذلك لم يقل : ويأبى اللّه إلّا أن يبقي نوره . و لَوْ في وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ اتّصالية ، وهي تفيد المبالغة بأنّ ما بعدها أجدر بانتفاء ما قبلها لو كان منتفيا . والمبالغة بكراهية الكافرين ترجع إلى المبالغة بآثار تلك الكراهية ، وهي التألّب والتظاهر على مقاومة الدين وإبطاله . وأمّا مجرد كراهيتهم فلا قيمة لها عند اللّه تعالى حتّى يبالغ بها ، والكافرون هم اليهود والنصارى . [ 33 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 33 ] هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ( 33 ) بيان لجملة وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ [ التوبة : 32 ] بأنّه أرسل رسوله بهذا الدين ، فلا يريد إزالته ، ولا يجعل تقديره باطلا وعبثا . وفي هذا البيان تنويه بشأن الرسول بعد التنويه بشأن الدين . وفي قوله : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ صيغة قصر ، أي هو لا غيره أرسل رسوله بهذا